هل المراهقة موجودة في الإسلام ؟ حقيقة أم كذبة لإفساد الشباب ؟

A+AA-
جدول التنقلاخفاء

باسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، أما بعد: انتشر مصطلح المراهق في هذا العصر انتشار النار في الهشيم، وصار الشاب الذي في السن الذي ندعوه (عرفيا) بالمراهقة يُنظر إليه على أنه شخص في حالة خاصة، وعلى أنه ليس بخير، وصار الناس يعاملون (المراهق) على أنه إنسان يمر بأزمة ما، بل والكثير منا يتساهل معهم فقط لأنهم يمرون بما يسمى بفترة المراهقة، فهل ما نفعله حيال هذا الأمر صحيح؟ وما موقف الإسلام من المراهقة؟ هل المراهقة موجودة في الإسلام؟ وهل سن المراهقة حقيقة أم أنه مجرد كذبة صنعت لإفساد الشباب؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا المقال إن شاء الله. 

هل المراهقة موجودة في الإسلام ؟ حقيقة أم كذبة لإفساد الشباب ؟


ما هي المراهقة ؟

إن التعبير عن مفهوم المراهقة أو تعريفها يختلف بحسب المنظور الذي سننظر منه إلى المراهقة، فمفهومها في اللغة العربية يختلف عن مفهومها الذي أطلق عليها في العلم الحديث. 

ما هي المراهقة في اللغة العربية ؟ 

المراهقة في اللغة العربية تعني الاقتراب من شيء ما، و المراهق في اللغة العربية هو الذي الغلام الذي اقترب من سن البلوغ لكنه لم يبلغ بعد، فإذا بلغ لم يعد يسمى مراهقا. وهنا يقع الاختلاف. 

ما هي المراهقة في علم النفس ؟ 

أما المراهقة في علم النفس فإنها تعني اقتراب الفرد من النضوج الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي (على أن المراهق غير ناضج بعد). فالمراهقة في علم النفس هي العمر بين الطفولة والرشد، وهي الفترة العمرية بين 13 سنة و25 سنة. 

ما هي المراهقة في الإسلام ؟ 

إن الإسلام لم يعرف مصطلح المراهقة على الإطلاق، بل ما هو موجود في الإسلام هو الطفل البالغ وغير البالغ، فإذا بلغ الطفل الحلم لم يعد طفلا، بل صار مميزا عاقلا مكلفا، وتطبق عليه كل الأحكام الشرعية التي تتعلق بالبالغين المكلفين العاقلين. 

ويدعى الصبي بالغلام إلى أن يصل إلى سن البلوغ فيصير يدعى بالشاب لا بالغلام. 

فإذا نظرنا إلى هذه المفاهيم وقارنا بينها، وجدنا أن المراهقة في اللغة غيرها في علم النفس من جهة، ووجدنا أن مفهوم المراهقة في علم النفس فيه بعض الأمور التي تتنافى مع الشرع الإسلامي الحنيف، إذ أن علم النفس يعتبر المراهق غير بالغ عقليا واجتماعيا ونفسيا وجسميا، بينما في الإسلام يعتبر بالغا عقليا ونفسيا واجتماعيا، وهنا تختلف الآراء، وهنا نشأ الكلام عن المراهقة في الإسلام. 

المراهقة في عهد الصحابة ، كيف كان الرسول ﷺ و الصحابة يعاملون المراهق ؟

 إذا نظرنا في التاريخ الإسلامي، وفي الفقه في التعامل مع من الشباب الصغار السن (المراهقين بالمصطلح العرفي)، وجدنا أنهم كانوا يعاملون كما يعامل كل الشباب، بل كما يعامل الرجال، فقد ثبت عن الكثير من الشباب في هذا السن أنهم جاهدوا مع رسول الله ﷺ، وفي غزوات الرسول قصص كثيرة عن الشباب الصغار كيف كانوا يقاتلون ببسالة في المعارك، ومنهم من جاهد في الله حتى استشهد، ومنهم من بشر رسول الله ﷺ أنهم في الجنة. ومن هذه الأمثلة: 

أسامة بن زيد قائد جيش المسلمين 

في آخر سنة من حياة رسول الله ﷺ، أرسل جيشا كبيرا لغزو الروم، وأمر عليه الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنه، وكانت غزوة كبيرة يومئذ، قال المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم: 

"وتكلم الناس في قائد الجيش لحداثة سنه، واستبطأوا في بعثه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليّ، وإن هذا من أحب الناس إلي بعده  » رواه البخاري. 

فهذا رسول الله ﷺ وما أدراك ما رسول الله، يشهد لفتى كان عمره حينها 17 عاما بأنه خليق للإمارة وأهل لها، ويبعثه في سرية على رأس حوالي 700 من الصحابة، منهم كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. 

الغلامان اللذان قتلا أبا جهل ( معاذ ومعوذ ) 

وكانا حينها حديثي السن في غزوة أحد، وأحدهما بطرت ذراعه في المعركة والآخر قتل، وكلاهما ضربا أبا جهل فمات بسببهما. الأول اسمه معاذ بن عمرو بن الجموح، والآخر معوذ بن عفراء. والثاني هو الذي قتل. 

وغير هذه الأمثلة كثير، من الصحابة الذين كانوا يجاهدون في سبيل الله مع رسول الله ﷺ، فمنهم من مات ومنهم من كبر ونفع به الله الناس، ومنهم من لازم رسول الله ﷺ فتعلم على يديه فصار من كبار علماء الصحابة، مثل عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين، كل هؤلاء كانوا شبانا (في سن المراهقة على المصطلح العرفي) في زمن النبي ﷺ، لكنهم كانوا أكثر رجولة من أكمل الشباب جسما وعمرا في زمانهم. 

سن المراهقة في العلم 

إن العلم الحديث كشف فعلا عن أمور متعلقة بسن المراهقة، إذ أن الهرمونات لدى المراهق تكون فيها عدة اضطرابات بسبب أنه في مرحلة نمو وتغير، لذلك ينتج لدى المراهق تلك الأعراض التي تجعله شخصا انفعاليا وفيه ما يمكن تسميته بصبوة الشباب، فتجده فعلا يأتي تصرفات طائشة وغير عقلانية، وكذلك تجد لديه عدة مشاكل عاطفية، ومن أهم أعراض سن المراهقة: 

  • العصبية وحدة الطباع، ويظهر أيضا عليه التوتر والعناد وسرعة الغضب. 
  • حب التمرد وإثبات النفس واتخاذ القرار بمفرده. 
  • المشاكل العاطفية وقلة الاستقرار. 

والآن بعد أن عرفنا عن المراهقة في الإسلام، وعرفنا عن المراهقة في العلم، نصل إلى استغراب من نوع ما، وهو كيف أن شباب الإسلام عبر التاريخ لم تؤثر فيه مشاكل المراهقة هذه؟ هل المشكلة في الإسلام أم في العلم؟ هل العلم كاذب بشأن أعراض المراهقة لإفساد الشباب وتضليله؟ 

هل المراهقة حقيقة أم كذبة؟ 

والآن أتينا للسؤال الأهم، هل المراهقة التي يتحدث عنها علماء النفس حقيقة أم كذبة؟ 

لا يمكننا تكذيب العلم، خاصة وأن كل واحد منا مر بتلك المرحلة، ويعرف بالضبط ما يتحدث عنه علماء النفس حين يتحدثون عن تلك الأعراض من الاضطراب وعدم الاستقرار وحب التمرد وما إلى ذلك. 

وكذلك لا يمكننا أن نكذب الإسلام، فالروايات المنقولة لنا صحيحة لا ريب في صحتها من جهة، ومن جهة أخرى يصدقها بعض النماذج التي نراها في بعض الأحيان من شباب لا يتجاوز سنهم العشرين لكنهم بعقل راجح ورأي سديد لا تكاد تجده لدى الكهول، وكذلك توجد نماذج من الغرب في هذا الصدد، مثل عالم الفيزياء إسحاق نيوتن، الذي اكتشف كل نظرياته قبل أن يبلغ 22 من عمره. 

فأين وجه الربط بين هذا وذاك؟ 

في ظني والله أعلم، أن سن المراهقة الذي يتحدث عنه علم النفس ليس بكذبة، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى الضبط. 

هناك مبالغة في الكلام عن المراهقة لدى علماء النفس، وهناك تهويل إعلامي لهذه القضية من جهة، ومن جهة أخرى المشكلة تكمن في التربية والتعليم الذي يتلقاه الطفل. 

ففي الإسلام، يتم مواجهة هذه الأعراض قبل حدوثها، فالطفل إذا تربى تربية صحيحة قويمة على الأسس الإسلامية الصحيحة، وتعلم الأحكام وعرف الحلال والحرام، وضبط الجانب العقدي من معرفة الله ومعرفة النبي ﷺ ومعرفة الإسلام، قلما تقع له تلك الاضطرابات، لأن العقيدة الإسلامية عقيدة تجعل الفرد قوي الشخصية بثقته بربه جل وعلا.

الشاب في الإسلام، يتربى على ترك الشهوات حبا لله عز وجل وخوفا من عقابه، يتربى على طاعة الله عز وجل حبا لله وخوفا منه، لا خوفا من العقوبة من والديه أو القانون. وبهذا يكبر عقله عن التوافه، ولن يكون تمرده على والديه وعلى المجتمع في الأمور المذمومة. 

فالتمرد وحب الثوران، فطرة فطر بها الله عز وجل الإنسان في ذلك السن حتى يعرف بها الحق من الباطل، وحتى يتمرد بها على ما هو شر إلى ما هو خير، فأقرب الناس للفطرة السليمة الأطفال والشباب، ويحتاج الشاب في ذلك السن إلى الثورة والتمرد حتى يتمرد على مجتمعه إن كان مجتمعا خاطئا. 

والأمثلة على هذا أيضا كثيرة جدا، فهذا إبراهيم عليه السلام يتمرد على مجتمعه، مجتمعه الذي كان يعبد الأصنام ويكفر بالله، فإبراهيم عليه السلام قال لهم: 

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26)} الزخرف. 

ومن ذلك الشباب الذي تربى ونشأ في أوساط الكفار أو أصحاب العقائد الفاسدة، وبفطرته التي هداه الله إياها يتمرد ويعود إلى السبيل القويم وإلى طريق الحق. 

خلاصة 

فسن المراهقة حقيقة وليس خيالا، لكن التعامل مع المراهق في الإسلام لا يكون بالتساهل معه وتركه يقع في الخطأ دون لومه، بل يكون بتربيته وتنشئته تنشئة صحيحة على قواعد الإسلام القويمة، ويكون بمعاملته معاملة الرجال، وتربيته على تحمل بعض المسؤوليات حتى تقوى شخصيته ويصير رجلا قلبا وقالبا. 

ختاما

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا لما يحب ويرضى، ونسأله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، ويزيدنا من فضله إنه هو ولي ذلك والقادر عليه. 

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

مصادر

القرآن الكريم

السنة النبوية الصحيحة –صحيح البخاري-

كتاب الرحيق المختوم

ويكيبيديا

أنظر أيضا: